العيني
92
عمدة القاري
( أول الوقت رضوان ا وآخره عفو ا ) ، وهو لا يؤثر على رضوان ا شيئاً ، والعفو لا يكون عن تقصير . قلت : المراد من العفو الفضل كما في قوله تعالى : * ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) * ( البقرة : 912 ) أي : الفضل ، فكان معنى الحديث ، وا أعلم ، أن من أدى الصلاة في أول الوقت ، فقد نال رضوان ا ، وأمن من سخطه وعذابه لامتثال أمره ، وأدائه ما وجب عليه ، ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل ا ، ونيل فضل ا لا يكون بدون الرضوان ، فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك . فإن قلت : جاء في الحديث : ( وسئل : أي الأعمال أفضل ؟ فقال : الصلاة في أول وقتها ) . وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلاَّ به . قلت : ذكر الأول للحث والتحضيض والتأكيد على إقامة الصلوات في أوقاتها ، وإلاَّ فالذي يؤدي في ثاني الوقت أو في ثالثة أو رابعة كالذي يؤديها في أوله لا أن الجزء الأول له مزية على الجزء الثاني أو الثالث أو الرابع ، فحاصل المعنى : الصلاة في وقتها أفضل الأعمال ، ثم يتميز الجزء الثاني في صلاة الصبح عن الجزء الأول بالأمر الذي فيه الإسفار الذي يقتضي التأخير عن الجزء الأول . فإن قلت : قال البيهقي : قال الشافعي في حديث رافع : له وجه لا يوافق حديث عائشة ولا يخالفه ، وذلك أن رسول الله لما حض الناس على تقديم الصلاة ، وأخبر بالفضل فيه ، احتمل أن يكون من الراغبين من يقدمها قبل الفجر الآخر ، فقال : أسفروا بالفجر حتى يتبين الفجر الآخر ، معترضاً ، فأراد عليه الصلاة والسلام ، فيما يرى الخروج من الشك حتى يصلي المصلي بعد تبين الفجر ، فأمرهم بالإسفار أي : بالتبيين . قلت : يرد هذا التأويل ويبطله ما رواه أبو داود الطيالسي عن رافع ، قال : قال رسول الله لبلال : ( يا بلال نوِّر صلاة الصبح حتى تبصر القوم مواضع نبلهم من الإسفار ) . وقد مر هذا عن قريب . فإن قلت : قال ابن حازم في كتاب ( الناسخ والمنسوخ ) : قد اختلف أهل العلم في الإسفار بصلاة الصبح والتغليس بها ، فرأى بعضهم الإسفار هو الأفضل ، وذهب إلى قوله : ( أصبحوا بالصبح ) ، ورواه محكماً ، وزعم الطحاوي أن حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس ، وأنهم كانوا يدخلون مغلسين ويخرجون مسفرين ، وليس الأمر كما ذهب إليه ، لأن حديث التغليس ثابت ، وأن النبي داوم عليه حتى فارق الدنيا . قلت : يرد هذا ما رويناه من حديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري ومسلم ، وقد ذكرناه عن قريب ، وذكرنا أن فيه دليلاً على أنه ، كان يسفر بالفجر دائماً ، والأمر مثل ما ذكره الطحاوي وليس مثل ما ذكره ابن حازم ، بيان ذلك أن اتفاق الصحابة رضي ا تعالى عنهم ، بعد النبي ، على الإسفار بالصبح ، على ما ذكره الطحاوي بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال : ( ما اجتمع أصحاب محمد على شيء ما اجتمعوا على التنوير ) دليل واضح على نسخ حديث التغليس ، لأن إبراهيم أخبر أنهم كانوا اجتمعوا على ذلك ، فلا يجوز عندنا ، وا أعلم ، اجتماعهم على خلاف ما قد فعله النبي ، إلاَّ بعد نسخ ذلك وثبوت خلافه ، والعجب من بعض شراح البخاري أنه يقول : ووهم الطحاوي حيث ادعى أن حديث : ( أسفروا . . ) ناسخ لحديث التغليس ، وليس الواهم إلاَّ هو ، ولو كان عنده إدراك مدارك المعاني لما اجترأ على مثل هذا الكلام . ومنها : أن فيه دلالة على خروج النساء ، وهو جائز بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن ، وكرهه بعضهم للشواب ، وعند أبي حنيفة تخرج العجائز لغير الظهر والعصر ، وعندهما : يخرجن للجميع ، واليوم يكره للجميع ، للعجائز والشواب ، لظهور الفساد وعموم الفتنة . وا أعلم . 41 ( ( بابٌ إذَا صَلَّى في ثَوْب لهُ أعْلاَمٌ وَنَظَر إِلَى عَلَمِها ) ) أي : هذا باب يذكر فيه إذا صلى شخص وهو لابس ثوباً وله أعلام ، ونظر إلى أعلامه ، هل يكره ذلك أم لا ؟ وقال الكرماني : ونظر إلى علمه ، وفي بعضها : إلى علمها ، والتأنيث فيه باعتبار الخميصة ، ونقله بعضهم عنه بالعكس حيث قال : قال الكرماني في رواية : ونظر إلى علمه ، والأعلام جمع علم ، بفتح اللام . 37393 ح دّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قالَ حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ قالَ حدّثنا ابنُ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ أنَّ النبيَّ صلَّى في خمِيصةٍ لَها أعْلاَمٌ فَنَظَرَ إلى أعْلاَمِها نَظْرَةً